محمد أبو زهرة
2020
زهرة التفاسير
والأمر الثاني الذي لا يحل ، ونهى المسلمون عن إحلاله ، هو الشهر الحرام ، والمراد النهى عن القتال فيه ، والشهر مفرد أريد به الجمع ، وذلك أنه أشهر أربعة كما قال تعالى في سورة براءة : إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( 36 ) [ التوبة ] . وهذه الأشهر لا يحل القتال فيها ، فلا يبدأ المسلمون القتال فيها ، ولكن يدافعون إن اعتدى عليهم فيها ، ولهم أن يطلبوا الهدنة إن جاءت في أثناء القتال فيها ، فإن كان الذين يقاتلونهم لا يؤمنون بها استمر القتال ، إذ لا مناص منه ، وقد ادعى كثيرون أن منع القتال في هذه الأشهر نسخ ، ولا نجد دليلا يدل على النسخ ، بل الأدلة تدل على دوام التحريم بل الأدلة متضافرة على استمرار تحريمها ؛ لأن ذلك جاء في سورة المائدة ، وهي من أواخر القرآن نزولا ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر التحريم في خطبة الوداع ولعل الذين ادعوا النسخ أخذوه من الحروب الإسلامية ، والواقع أن المسلمين كانوا مضطرين للاستمرار . والأشهر الحرم هي : ذو القعدة وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب - الذي بين جمادى وشعبان - والأشهر الثلاثة الأولى فيها الحج والذهاب إليه والعودة منه ، ورجب فيه العمرة ، والتحريم ليكون الطريق آمنا في مدة الحج . وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ الهدى جمع هدية ، وهو ما يهدى ، ويراد به هنا ما يهدى إلى البيت الحرام ليذبح في الحج ، وإحلاله المنهى عنه ذبحه في غير موضع الحج ، كما قال تعالى : . . . وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ . . . ( 196 ) [ البقرة ] كما أن من إحلاله اغتصابه أو منعه من أن يصل إلى البيت الحرام ، والقلائد جمع قلادة ، وهي ما تقلد به الهدى ، ومن الفقهاء من خصها بالبدن ( الإبل والبقر ) فلا يقلد سواها ، والنهى عن إحلال القلائد قد اختلف المفسرون في معناه ، وأحسن ما